ابن عبد البر

65

الدرر في اختصار المغازي والسير

لما كانت ليلة الجن أتت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سمرة ( 1 ) ، فآذنته بهم ، فخرج إليهم حدثنا عبد اللّه ، قال : أنبأنا محمد ، قال : أنبأنا أبو داود ، قال : حدثنا هارون بن معروف ، قال : أنبأنا سفيان ، عن مسعر ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة أن مسروقا قال له : أبوك أخبرنا : أن شجرة أنذرت النبيّ عليه السلام بالجن . قال أبو داود : وحدثنا حجاج بن أبي يعقوب ، قال : أنبأنا أبو أسامة ، قال : أنبأنا مسعر ، عن معن ، قال : سمعت أبي قال : سألت مسروقا من آذن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن ؟ قال : حدثني أبوك يعنى عبد اللّه بن مسعود . أنه آذنته بهم سمرة ( * ) . [ ذكر خروج ( 2 ) الرسول إلى الطائف وعوده إلى مكة ] قال الفقيه أبو عمر رضى اللّه عنه ، قال ابن إسحاق : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرض نفسه في تلك السنين على القبائل ليمنعوه ، حتى يبلّغ رسالات ربه ، ولم يقبله أحد منهم ، وكلهم كان يقول له : قومه أعلم به ، وكيف يصلحنا من أفسد قومه ؟ . وكان ذلك مما ذخره اللّه عزّ وجلّ للأنصار وأكرمهم به . فلما مات أبو طالب اشتد البلاء على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعمد لثقيف رجاء أن يؤووه ، فوجد

--> ( 1 ) السمرة : شجرة الطلح . ( * ) قلت : لا خلاف في أن الله كلف الجن على لسان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تكاليف وشرع لهم شرائع . وانما اختلف العلماء في ثوابهم الموعود على طاعة المعبود ، فقيل ثوابهم السلامة ، وقيل : والكرامة بالجنة . وينقل الأول عن مالك رحمه الله تعالى ، واستشهد عليه بقوله تعالى [ على لسانهم ] : ( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) . فلم يتعلق أملهم الا بالسلامة خاصة . واستشهد صاحب المذهب الآخر بقوله تعالى : ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) فهذا يدل على أن الجن يتوقع لهم الفوز بالحور كما يتوقع للانس . والمذهب الأول أظهر ، وذلك أن الجان مخلوق من نار ، ولا مدخل للنار في الجنة والله أعلم . ( 2 ) انظر في خروج الرسول إلى الطائف ابن هشام 2 / 60 وابن سعد ج 1 ق 1 ص 141 والطبري 2 / 344 وابن كثير 3 / 135 والنويري 16 / 279 وابن حزم ص 67 وابن سيد الناس 1 / 134 والسيرة الحلبية 1 / 471 . وكان هذا الخروج في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة .